Meedan

The Meedan Blog Archive

بيوت بكرامة

قد لايكون هذا المشروع الأكبر في حياتي لكنه الأهم على الإطلاق. في أثناء أشد أسابيع الصيف قيظاً، كنت المهندس المعماري الرئيس في إطار جهود دولية ترمي لمساعدة قرية فلسطينية على تصميم منازل صديقة للبيئة وبأسعار معقولة، فضلاً عن إعداد خطة معمارية مفصلة باعتبارها أفضل السبل لضمانة مستقبل أفضل للقرية. وعلى الرغم من إصدار الجيش الإسرائيلي أوامر بهدم 97% من القرية، سيصدر مجلس بلدية  العقبة، في غضون أيام قليلة، تصاريح بناء. وبمساعدة أناس  أسخياء من مختلف أنحاء العالم، ستبدأ العائلات الثلاث الأولى في بناء بيوتهم الجديدة بكرامة.

 تقع العقبة، وهي قرية صغيرة، في وادي الأردن قرب طوباس، في المساحة المحتلة من الضفة الغربية والتي تبلغ 62% من إجمالي الضفة والتي تخضع للإدارة الإسرائيلية فقط وتسمى المنطقة ج. وتتمتع القرية بتاريخ من السلام والهدوء على الرغم من حجم الضغط المخيف الذي يمارس عليها. ففي عام 1967، أنشأ الجيش الإسرائيلي ثلاث قواعد عسكرية في العقبة والمنطقة المتاخمة لها. وفي الفترة من 1977-2002، أجرى الجيش الإسرائيلي تدريبات عسكرية على إطلاق النار في القرية العزلاء، مما أسفر عن مقتل 12 وجرح 38 من أهل القرية. وكان عمدة القرية أول الضحايا مما أجبره على استخدام كرسي متحرك منذ أكثر من 40 سنة. وللهرب من الخطر، ترك 700 قروي أراضيهم منتقلين لقرى مجاورة، ونتيجة لذلك تضاءل عدد سكان العقبة حالياً إلى 300 نسمة.

وفي 2001، نالت القرية فوزا تاريخيا عندما أمرت المحكمة الإسرائيلية العليا الجيش بإزالة القواعد العسكرية ووقف استخدام منازل القرية للتدريب. وقد شيدت قرية العقبة - بالتعاون مع منظمة تحالف إعادة البناء (Rebuilding Alliance) الأمريكية غير الهادفة للربح - دار حضانة لأطفال السكان الحاليين والعائدين للقرية وهي تعمل بكفاءة كبيرة. أثناء مرحلة بناء الحضانة، أصدر الجيش الإسرائيلي قرارات بهدم جميع بيوت القرية تقريبا، بما في ذلك المسجد والعيادة ودار الحضانة. قدمت القرية التماساً أمام المحكمة الإسرائيلية العليا وأحرزت نجاحا محدوداً. ويخشى القرويون المشردون من اختفاء القرية بأكملها إذا ماانتظروا مدة أطول حتى يعودوا لبيوتهم.

لابد أن تعكس هندسة العمارة الأصيلة قوة العلاقات الإنسانية، حيث أن العمارة ترتبط بالناس والطبيعة والمناخ، وتمثل جهداً متواصلاً للحضارات عقداً تلو عقد وقرناً تلو قرن لقطع آفاق جديدة للمعرفة والوصول إلى الجمال والراحة والصمود بل وتحقيق قيمة اقتصادية وبيئية. شاركنا في ورشة جماعية على مدار ثمانية أيام في إعداد مخطط معماري للعقبة، عملاً مع أول ثلاث عائلات عائدة إلى القرية وعمدتها الحاج سامي صادق صبيح وبلدية القرية وجمعية المرأة الريفية وذلك بغية فهم احتياجات التنمية السكنية والمجتمعية الخاصة بهم.  وبصفة عامة، يمثل العثور على  الحلول البسيطة والاقتصادية تحدياً صعب التنفيذ، ولذا شعرنا بالسعادة عندما نجحنا في توفير حلول تفي باحتياجات هذا المجتمع!

تمكننا هندسة العمارة من تحويل أي تصميمات إلى أماكن وفضاءات تخدمنا وتخدم الأجيال التي لم تولد بعد. تحتاج العائلات إلى منازل ذات ثلاث غرف للنوم مساحتها 119 متر مربع، بحيث يمكن أن يتم توسيعها بطابقٍ ثانٍ لعائلة الابن في المستقبل، ولكن المشكلة تكمن في تكلفة البناء والتي تقدر بـ33 ألف دولار، ويفوق هذا المبلغ قدرتهم على سداد قرض رهن عقاري – هذا في حال استطاعوا الحصول على قرض أصلاً. فعلى الرغم من أن العائلات في العقبة تحمل سندات ملكية مؤكدة  لأراضيها، فإن سياسة إسرائيل المتمثلة بحرمان الفلسطينيين من الحصول على تصاريح البناء في المنطقة ج تعني أن البنوك لن تقوم بتمويل  بناء منازل للفلسطينيين القاطنين بتلك المنطقة.

وبما أن الحاجة أم الاختراع، فقد ابتكرنا وسيلة لتمويل البناء وذلك بتقليل خطر الهدم و تقسيمه  على مجموعة من المانحين والمناصرين للبناء. وتوفر التبرعات ما يلي: 5000 دولار دفعة  أولية و 15 ألف دولار في صورة قرض بنظام الرهن العقاري و4000 دولار كلفة لتنسيق الجهود التضامنية العالمية للتأكيد على حق القرية في  الحصول على تراخيص بناء.  وعلى عكس القروض البنكية، يعفي نظام التمويل متعدد المصادر الذي تقوم به منظمة  تحالف إعادة البناء Rebuilding Alliance's Crowdsource Financing  من باقي أقساط القرض في حالة هدم المنزل. أما بالنسبة لعملية البناء، فستساعد بها  عائلات القرية، وليس هذا وحسب، بل أنشأ  أهل القرية صندوقاً تعاونياً للإسكان بهدف تقديم تمويل يقابل كمّ التبرعات القادمة من مختلف أنحاء العالم، وقد عرضت الحكومة الفلسطينية فيما بعد ملء الفجوة في التكاليف لتفي بالمبلغ الذي يحتاجه أهل القرية والمقدر بـ33 ألف دولار.

العمارة تعبير عن السلام والحب وتنمية البشرية، بل ومن المفترض أن تقودنا إلى حياة أفضل في ظل استمرارنا في التعلم من البشر والطبيعة على حدٍّ سواء. إذاً، ما الذي تعنيه سياسة الهدم الإسرائيلية؟ ففي الوقت الذي يعلن فيه الجيش الإسرائيلي  عن مناقصات لبناء مستوطنات إسرائيلية على أرض لايملكها، يصدر أحكاماً بهدم منازل الفلسطينيين الذي يعيشون على أرضهم الخاصة، وقد أظهرت خرائط الجيش الإسرائيلي التي حصلت عليها مؤخرا منظمة حقوقية إسرائيلية تسمى  بيمكوم لمناهضة التمييز في البناء صدور أكثر من 12500 قرار هدم لبيوت ومدارس ومحال فلسطينية في المنطقة ج.

وأنا أؤمن بأن العمارة هي لغة القرى والمدن والأمم والأفراد - الأغنياء منهم والفقراء – والمجتمعات، والتي يعبرون عنها بأبنيتهم.  إن قرية العقبة نموذج لحسن الجوار، ويأمل أهلها في أن تزداد بيوتهم الجميلة الملونة قيمة. أهل القرية يريدون أن يكون لها مستقبل وأن يشكلوا مثالا بنّاءاً ومطمئناً لما يجب أن يكون عليه السلام، ونجاحهم قد ينهي سياسة إسرائيل في هدم البيوت الفلسطينية وبدايةً للوفاء باحتياجات 150 ألف فلسطيني يعيشون في المنطقة ج. إن مهمتنا في العقبة هي تحقيق السلام عبر العمارة.


هاني حسن، مهندس معماري كولمبي من أصل فلسطيني يعيش ويعمل في فلسطين. نال السيد حسن جائزة العمارة  الدولية لعام 2010 من المركز الأوروبي European Center وشيكاغو آثنيوم  Chicago Atheneum عن  مشروع البيت الصحراوي الموفر للطاقة في أريحا.